رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
471
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
بقدر الإمكان ، كما يُفعل ذلك بالذهب والفضّة ، ويعبّر عن ذلك أهل الصناعة بالوضع في الخلاص ، وإذ أورد على المحبّ بلاء يستدلّ بذلك على أنّ المحبوب في مقام تصفيته فيبتلاه بذلك ، وللمحبّ حرقة أخرى لازمة للمحبّة ليس شيء في الدنيا والآخرة ألذَّ منها ، بل بها حياته وبفقدها مماته ، يعرف ذلك معرفةً ضعيفةً من ابتُلي بالعشق ، وفتنته مدرة خولطت بدم وبلغم وتناسبت أجزاؤها ، وكان ممّن انفكّت رقبته عن أسر الشهوة البهيميّة ، فهو كالظمآن تراءى له من بُعد سرابٌ بِقيعةٍ ، فحسبه ماءً حتّى إذا جاءه لم يجده شيئاً . وإلى تلك الحرقة اللذيذة أشار العطّار وتمنّاها حيث قال في منطق الطير : هركه را خوش نيست دل با درد تو * خوش مبادش زانكه نبود مرد تو ذرّهاى دردم ده اى درمان من * زانكه بي دردت بميرد جان من كفر كافر را ودينْ ديندار را * ذرّهاى دردت دل عطّار را « 1 » وفي مناجاة الإمام زين العابدين عليه السلام : « إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبّتك فرام منك بدلًا ، ومَن ذا الذي آنس بقربك فابتغى عنك حولًا ، فاجعلني من الذين هم بالبدار إليك يسارعون ، وبابك على الدوام يُطرقون ، وإيّاك في الليل والنهار يعبدون » . « 2 » قوله عليه السلام : ( لِسَبْقِ عِلْمِه فيهم ) . [ ح 2 / 396 ] أي لعلمه السابق على خلقهم أنّ ذواتهم الشخصيّة بحيث لو وجدت وأعطيت العقلَ الذي هو صحّة مناط التكليف ، ودعاهم الرُّسل إلى الحقّ ، ما اختاروا إلّا المعصية ، ولو وجدوا أدوات العمل ما صرفوها إلّافي المعصية ، فكلّ ما يعطونه من الأدوات فهو قوّة المعصية بالنظر إليهم ، ولمّا لم يكن وجودهم ووجود معصيتهم منافياً لسلطان اللَّه وإلهيّته - عظم شأنه - بل كان باعتبار ترتّب العذاب على خبائث أعمالهم والانتقام للمظلومين مظهراً لغاية من غايات الأسماء الجلاليّة ، أوجدهم ووهب لهم القوّة على معصيته .
--> ( 1 ) . منطق الطير ، ص 24 . ( 2 ) . قطعتان من مناجاة المحبّين ومناجاة المريدين . راجع : بحار الأنوار ، ج 94 ، ص 147 - 148 .